عبد الملك الجويني
65
نهاية المطلب في دراية المذهب
ولو بلغ اتساعُ المال مبلغاً لا ينقُصه مثل هذا . فالظاهر عندي القطع بصرف المال إلى التكملات . ولو وجدَ الإمام متطوعاً بالأذان حسن الصوت ، ووجد آخر بالأجر حسن الصوت ، رقيقه ، فقد كان شيخي لا يرى بذل المال في تحصيل حُسن الصوت ورقته ، وهذا خارج عندي على قياس القول في المؤذن الثاني في المسجد الكبير . 709 - وقد نجزت مسائل الأذان ، ونحن نختمها بذكر من هو من أهل الأذان ومن ليس أهلاً له ، فنقول : من ليس له قصدٌ صحيحٌ ، لو اتفق منه نظم كلمة ( 1 ) الأذان ، فلا يعتد بأذانه ، كالمجنون ، وهو كالهاذي . والسكران ، أمره خارج على الخلاف في تصرفاته ، فإن جعلناه من أهلها ، فقصده كقصد الصَّاحي ، فلو نظم الأذان اعتدّ به . والصبي المميز من أهل الأذان ، فإنَّ قصده صحيح في العبادات ، وكيف لا يصح أذانه ، وإمامته في الصلوات المفروضة صحيحة ؟ . المرأة إذا أذّنت للرجل أذانَ الإبلاغ ، لم يعتدّ بأذانها ، كما لا تصح إمامتها ، فأمّا إذا كانت تؤذن في نفسها ، ففيه الخلاف المقدّمُ في صدر الباب . وأمّا الكافر ، إذا أذّن - ويمكن فرض كافر مستمر على كفره مع فرض الأذان - فإن العيسوية ( 2 ) يقولون : محمد رسول الله إلى العرب . فلا ينافي مُطلقُ الأذان مذهبَهم . ومن أذَّن منهم للمسلمين ، لم يعتد بأذانه ؛ فإن الأذان دعاء إلى الصلاة ، والكافر ليس من أهل الصلاة ؛ فكيف يكون من أهل الدعاء إليها ، والمرأة لم تكن من أهل إمامة
--> ( 1 ) " كلمة الأذان " : المراد بها كلام الأذان ، وهو استعمال صحيح ، تطلق ( الكلمة ) على الكلام ، ومشهور قول ابن مالك في ( ألفيته ) : " وكلمةٌ بها كلام قد يُؤم " . ( 2 ) العيسوية : طائفة من اليهود ، ذهبت إلى إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكنهم خصصوا شرعه بالعرب دون من عداهم ، وهي تنسب إلى أبي عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني ( أو الأصبهاني . ولذا تسمى أيضاً الأصبهانية ) وظهرت في أيام المنصور العباسي . ( ر . الإرشاد لإمام الحرمين : 338 ، والملل والنحل للشهرستاني : 2 / 20 بتحقيق عبد العزيز الوكيل ) .